محمد بن جرير الطبري
589
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
ذا عدل وقوه ، وآله وعده ، وفنافس في هذا ولا تقدم عليه شيئا تحمد مغبه امرك إن شاء الله . واجعل في كل كوره من عملك أمينا يخبرك اخبار عمالك ، ويكتب إليك بسيرتهم واعمالهم ، حتى كأنك مع كل عامل في عمله ، معاين لأمره كله وان أردت ان تأمره بأمر فانظر في عواقب ما أردت من ذلك ، فان رايت السلامة فيه والعافية ، ورجوت فيه حسن الدفاع والنصح والصنع فامضه ، والا فتوقف عنه وراجع أهل البصر والعلم ، ثم خذ فيه عدته ، فإنه ربما نظر الرجل في امر من امره قد وأتاه على ما يهوى ، فقواه ذلك واعجبه ، وان لم ينظر في عواقبه أهلكه ، ونقض عليه امره . فاستعمل الحزم في كل ما أردت ، وباشره بعد عون الله بالقوة ، وأكثر استخاره ربك في جميع أمورك ، وافرغ من عمل يومك ولا تؤخره لغدك ، وأكثر مباشرته بنفسك ، فان لغد أمورا وحوادث تلهيك عن عمل يومك الذي أخرت واعلم أن اليوم إذا مضى ذهب بما فيه ، وإذا أخرت عمله اجتمع عليك امر يومين ، فشغلك ذلك حتى تعرض عنه ، فإذا أمضيت لكل يوم عمله أرحت نفسك وبدنك ، وأحكمت أمور سلطانك . وانظر أحرار الناس وذوى الشرف منهم ، ثم استيقن صفاء طويتهم وتهذيب مودتهم لك ، ومظاهرتهم بالنصح والمخالصة على امرك ، فاستخلصهم وأحسن إليهم ، وتعاهد أهل البيوتات ممن قد دخلت عليهم الحاجة ، فاحتمل مؤنتهم ، واصلح حالهم ، حتى لا يجدوا لخلتهم مسا وافرد نفسك للنظر في أمور الفقراء والمساكين ، ومن لا يقدر على رفع مظلمه إليك والمحتقر الذي لا علم له بطلب حقه ، فاسال عنه احفى مساله ، ووكل بأمثاله أهل الصلاح من رعيتك ، ومرهم برفع حوائجهم وحالاتهم إليك ، لتنظر فيها بما يصلح الله امرهم وتعاهد ذوى البأساء ويتاماهم وأراملهم ، واجعل لهم ارزاقا من بيت المال اقتداء بأمير المؤمنين اعزه الله ، في العطف عليهم ، والصلة لهم ، ليصلح